24/06/2026
تتابع الأندية التونسية المحترفة لكرة القدم، بكثير من الانشغال والقلق، ما آلت إليه أوضاع كرة القدم الوطنية من تراجع غير مسبوق على المستويات الرياضية والتنظيمية والاقتصادية، في ظل مناخ متواصل من فقدان الثقة وغياب الحلول الهيكلية الكفيلة بإعادة الاعتبار للمنظومة الكروية الوطنية.
وإذ تعبّر الأندية عن أسفها العميق للنتائج الأخيرة التي حققها المنتخب الوطني وما رافقها من خيبة أمل لدى الجماهير والرأي العام الرياضي، فإنها تعتبر أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تختزل في البحث عن شماعات ظرفية أو حلول اتصالية وإعلامية عابرة، بل تقتضي تقييمًا شجاعًا وموضوعيًا لمسار التسيير والخيارات المعتمدة خلال السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي تعيش فيه غالبية الأندية، وخاصة أندية الرابطة المحترفة الثانية، أوضاعًا مالية خانقة وصعوبات متزايدة للوفاء بالتزاماتها الأساسية من أجور وتنقلات وإقامات وتكوين وصيانة للبنية التحتية، تُطرح أسئلة مشروعة حول أولويات الإنفاق داخل المنظومة الكروية الوطنية وحول مدى انسجام القرارات المتخذة مع واقع الأندية واحتياجاتها الفعلية.
إن الأندية التي تكافح يوميًا من أجل البقاء والاستمرارية لا يمكنها إلا أن تستغرب استمرار تجاهل الملفات الجوهرية التي تعاني منها كرة القدم التونسية، مقابل توجيه الاهتمام والموارد نحو خيارات ظرفية أو عمليات ذات أثر محدود على مستقبل اللعبة.
كما أن ما رافق بعض التنقلات والبعثات الرسمية من جدل متكرر بشأن حجم الوفود والمصاريف المصاحبة لها يقتضي، في تقديرنا، توضيحًا كاملاً للرأي العام الرياضي ونشر المعطيات الرسمية ذات الصلة تكريسًا لمبدأ الشفافية وحسن التصرف في المال العام والموارد المخصصة لكرة القدم.
وتؤكد الأندية أن التغيير الفني أو التعاقد مع أسماء تدريبية كبيرة، مهما كانت قيمتها أو مكانتها، لا يمكن أن يمثل بمفرده مشروعًا لإنقاذ كرة القدم الوطنية إذا لم يكن جزءًا من رؤية شاملة تتناول الحوكمة والتخطيط والتمويل والبنية الرياضية والتكوين والتطوير.
كما ترى الأندية أن تحويل النقاش العمومي من تقييم الحصيلة الرياضية والإدارية إلى الاكتفاء بالترويج لقرارات ظرفية أو إنجازات إعلامية لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية التي تطرحها الأسرة الرياضية اليوم.
إن الأزمة التي تعيشها كرة القدم التونسية أعمق من تغيير إطار فني أو إعلان تعاقد جديد؛ إنها أزمة حوكمة، وأزمة أولويات، وأزمة ثقة.
ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة:
- غياب استراتيجية وطنية واضحة لتطوير كرة القدم على المدى القريب والمتوسط والبعيد.
- عدم تحيين النصوص القانونية المنظمة للقطاع الرياضي، وخاصة قانون الهياكل الرياضية، بما يتلاءم مع متطلبات الحوكمة الحديثة وتطور الرياضة الاحترافية.
- تواصل العمل بمنظومة تشريعية وإجرائية لم تعد تستجيب للواقع الحالي للأندية ولا للتحديات الاقتصادية والقانونية التي تواجهها.
- تفاقم الوضعية المالية للأندية وغياب آليات دعم عادلة ومستدامة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار المالي.
- التفاوت الكبير بين الأندية من حيث الإمكانيات والموارد في ظل غياب سياسات تضامن فعالة داخل المنظومة.
- تقادم المنشآت الرياضية في مختلف الاختصاصات وغياب مخطط وطني واضح للصيانة والتأهيل والتحديث.
- تدهور جودة البنية التحتية الخاصة بالتدريب والتكوين، بما ينعكس مباشرة على مستوى اللاعبين الشبان.
- غياب برنامج وطني لتطوير مراكز التكوين وتأطير المواهب الشابة باعتبارها الركيزة الأساسية لمستقبل كرة القدم التونسية.
- ضعف الاستثمار في كرة القدم النسائية وكرة القدم القاعدية رغم أهميتهما الاستراتيجية.
- غياب مؤشرات أداء واضحة لقياس نجاح السياسات الرياضية وتقييم نتائجها بصورة موضوعية.
- محدودية التواصل والتشاور مع الأندية باعتبارها الحلقة الأساسية في المنظومة الكروية.
- تراجع صورة كرة القدم التونسية على المستويين القاري والدولي نتيجة غياب التخطيط والاستقرار.
وعليه، فإن الأندية الممضية على هذا البيان تدعو إلى:
1. تحمل الحامعة التونسية لكرة القدم المسؤولية الرياضية والأخلاقية عن الوضع الذي آلت إليه كرة القدم التونسية.
2. نشر المعطيات المالية المتعلقة بالنفقات الاستثنائية والبعثات والخيارات الكبرى المعتمدة خلال الفترة الأخيرة في إطار الشفافية والحق في النفاذ إلى المعلومة.
3. إطلاق تدقيق مستقل وشامل في مختلف الملفات المالية والإدارية والرياضية.
4. وضع خطة استعجالية لإنقاذ الأندية، وخاصة أندية الرابطة المحترفة الثانية، عبر مراجعة آليات الدعم والتوزيع المالي.
5. التسريع بمراجعة وتحيين الإطار القانوني المنظم للرياضة التونسية بما يواكب المعايير الدولية ومتطلبات الاحتراف.
6. إعداد برنامج وطني عاجل لتأهيل وصيانة المنشآت الرياضية وضمان استدامتها.
7. وضع استراتيجية وطنية لتطوير التكوين والشبان باعتبارها الاستثمار الحقيقي لمستقبل كرة القدم.
8. فتح حوار وطني رياضي تشارك فيه الأندية بوصفها الطرف الرئيسي في المنظومة.
9. إطلاق مشروع إصلاح حقيقي يقوم على الكفاءة والشفافية والمساءلة.
كما تؤكد الأندية أن كرة القدم التونسية أكبر من الأشخاص والمناصب، وأن حماية مستقبلها تقتضي اليوم الشجاعة في التقييم والجرأة في اتخاذ القرار.
إن اللحظة تقتضي الإصلاح لا الإنكار، والمراجعة لا المكابرة، والعمل لا الشعارات، ووضع مصلحة كرة القدم التونسية فوق كل اعتبار.
عن الهيئة المديرة
حسن الشلي
Send a message to learn more