06/12/2024
“والدك يحتضر”
ساعتان وعشرين شهرًا مع الموت والوداع
غرفة العناية المركزة لم تكن مجرد مكان؛ بل زمن معلق بين الحضور والغياب، بين الحافة الدقيقة للحياة والمطلق المجهول. كان أبي هناك، مسجى على السرير، جسده غارق في صمت ثقيل، متصل بأنابيب لا تنبض بالحياة، وأجهزة تصدر أصداءً ثابتة، كأنها تتوسل أن تُطيل نبضه المتباطئ. ملامحه كانت سلامًا غامضًا، كأنه تجاوز الزمن وترك وراءه عبء الحياة، بينما جسده ينتظر الحسم الأخير.
في لحظة أشبه بانهيار زمني، قابلت الطبيب. خطواته كانت بطيئة، ونظراته محملة بثقل الحقيقة. خدعته بشجاعتي المصطنعة وطلبت منه المصارحة. وقف أمامي كمن يحمل قرارًا لا رجعة فيه. قال بصوت هادئ وحاسم: “والدك يحتضر.”
الكلمات ارتطمت بي كطوفان لا اتجاه له، غمرتني وأغرقتني في لحظة واحدة. شعرت بأن شيئًا داخلي قد تهشم؛ شجاعة كنت أتشبث بها أو ربما وهم القدرة على الصمود. الحقيقة كانت أقوى من أي دفاع. الموت ينزع عنك كل أسلحتك، كل احتمالاتك. كنت هناك، واقفًا وعاجزًا، محاطًا بسؤال واحد: ماذا يعني أن يحتضر أبي؟ أن يغادر بعد لحظات أو ساعات؟
•عدت إلى الحاجز الزجاجي، نظرت إليه مطولًا، كمن يحاول أن يحفر الملامح في ذاكرته للأبد. لكن شعرت أن الغربة قد زحفت بيننا. أبي لم يكن هناك؛ كان جسدًا منهكًا، معلقًا بين السماء والأرض، بينما أنفاسه أضحت ملك الآلة.
شعرت أن وجودي أمام هذا الطوفان لا معنى له. حاولت أن أجد تفسيرًا، أن أفهم، لكنني كنت أواجه الحقيقة المطلقة: الموت. تلك الحقيقة التي لا تعرف المساومة ولا الرحمة.
•كان بيني وبين النهاية ساعتان ، كانت الفاصل بين كلمات الطبيب ولحظة السكون. الزمن فيهما كان أبديًا، وكل شيء بعدهما تحول إلى غياب. الحاجز الزجاجي أُسدلت ستائره، والأصوات التي كانت تنبض بالحياة توقفت، كأن الزمن نفسه انتهى. شعرت أنني في حضرة شيء يتجاوز المادة، شيء يعلو فوق الفهم.
نظرت إلى أبي للمرة الأخيرة. كان السكون قد غلفه، ملامحه استعادت سلامًا لم أعهده من قبل، كأن الموت كان بوابة عبور، لا هزيمة. لم أستطع البكاء، ولا حتى الحراك. شعرت أنني في حضرة الحقيقة العظمى، تلك التي تعيد ترتيب كل ما كنا نظنه ثابتًا.
" صالح بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز الصرامي إلى رحمة الله "
•الموت لم يكن مجرد نهاية؛ كان مواجهة مع المطلق. أدركت أن الشجاعة لا تكمن في مقاومة الموت، بل في التسليم لحضوره. في القبول بأن هناك قوة أعظم تُعيد كل شيء إلى أصله. تلك ايضا "البقاء لله"
- في تلك الساعتين، لم أفقد أبي فقط؛ بل فقدت وهم السيطرة على الحياة. خرجت أحمل شيئًا من ذلك الصمت، شيئًا من تلك اللحظة التي رأيت فيها الموت ليس كعدو، بل كتحول، كبداية جديدة.
• او كما قال جلال الدين الرومي: “لا تحزن؛ كل ما تفقده يعود إليك في هيئة أخرى.”
الموت ليس فناءً، بل عبور. هو اللحظة التي تلتقي فيها حدودنا البشرية باللانهائي. حين نظرت إلى أبي في النهاية، شعرت أنه قد صار جزءًا من هذا الأفق الأبدي. الأرواح لا تموت؛ بل تتحول، تنتقل، تكمل رحلة لا نفهمها إلا بقلوبنا، بدموعنا، وربما بألم فقدنا.
لكنني سمعت وصية الوداع:
“عندما أموت، لا تقولوا إنه رحل؛ بل إنه حي يتنفس في الأبدية.”
هذه الدنيا ليست إلا فصلًا ينتهي ليبدأ فصل جديد. ربما أكثر إشراقًا، أكثر سلامًا، وأكثر رحمة.
أثق أن أبي سيأتي مع حلم يخبرني عن جمال التالي، أو هكذا أتمنى وسأصلي.
رحمك الله يا من كنتَ محاربًا مؤمنًا، شجاعًا كريمًا، صارما و متسامحًا.
خلقت فينا العفة والكرامة، كنت الأرض الطيبة، ورفعت لنا سقف الدنيا لنبصر العالم وحد السماء.
• * طبتَ وطاب رحيلك.
إلى جنة الخلد يا أبي… إلى الأبدية… إلى خير الراحمين، يتولى ذلك الوجه الطاهر، والقلب الساجد ..
•أما العشرين شهرًا، فهي الفاصل بين رحيل والدتي، الغالية إلى يوم الدين ، وتلك اول انكساراتي ، رحيل امي ، حصة بنت ناصر بن عبدالعزيز الصرامي، رحمها الله، وبين فقد أبي ، والذي لم يجد طعمًا للحياة بعدها. ، كبر سريعا كانه يستعجل الرحلة ليكمل قصة ٦٠ عاما هي عمر وحب وتضحيات لم يُكتب لها الفناء.
أسكنهما الله في أبهى وعد وأجمل مقام.
اللهم ارزقهما السعادة الأبدية في فردوسك الأعلى.