03/06/2026
🌍في نقاش مع ابنتي أو حين نزفت جراح اليوسفية على ورقة امتحان جهوي
عادت ابنتي أمس من الامتحان الجهوي للغة العربية وهي تحمل في يدها ورقة الأسئلة على المسودة، وفي ذهنها عشرات الأسئلة الأخرى التي لم تكن مدرجة في الامتحان.
سألتها وأنا أستقبلها:
كيف كان الامتحان...؟
ابتسمت ابتسامة مترددة وقالت:
كان الموضوع حول (العزوف السياسي)، لكنني في البداية لم أفهم المقصود بكلمة (العزوف)، فاشتقاقها اللغوي جعلني أربطها بالفن والطرب والغناء، قبل أن أكتشف من خلال السياق أنها تعني الإحجام والابتعاد وعدم المشاركة في السياسة.
قلت لها:
هذا أمر طبيعي، فالكلمات تكتسب معانيها من السياق.
تنهدت قليلا وأضافت:
صحيح لم يكن السؤال متوقعا بالنظر إلى ارشيف الامتحانات السابقة داخل الجهة، غير أن كلمة (السياسة) قادتني مباشرة إلى صور أخرى لا تفارق مخيلتي؛ وعود انتخابية تتكرر، مشاريع تتعثر، أوراش تنطلق بمدينتي ثم تتوقف، وأخرى تكتمل لكنها لا ترقى إلى انتظارات السكان.
استغربت من كلامها وقلت:
لماذا كل هذا التشاؤم يا ابنتي..؟ السؤال جاء في سياق عام، ولم يكن يتعلق بمدينة اليوسفية أو غيرها.
نظرت إلي بثقة أكبر من سنها وقالت:
لأن الإنسان ابن بيئته يا أبي. كيف يمكنني أن أفهم العام وأنا أتجاوز الخاص الذي أعيشه كل يوم!! ما أراه حولي هو أول مدرسة لتشكيل أفكاري ومواقفي.
حاولت أن أغير زاوية النقاش بعد ان أحسست بالحرج خاصة ان البنية الفكرية والسياسية لابنتي لن تستوعب افكاري الناقدة للعمل السياسي داخل المدينة والاقليم والجهة:
(قلت) لكن ابنتي؛المشاركة السياسية ضرورية في عمومها، وهي السبيل إلى التغيير. فالعزوف المبدئي لا يصنع الحلول.
صمتت المشاكسة قليلا ثم أجابت:
أتفق معك يا أبي من حيث المبدأ، لكن كيف أدافع عن المشاركة وأنا أعلم أنني بعد الحصول على البكالوريا سأضطر إلى مغادرة مدينتي!! سأجمع حقائبي وأتوجه إلى مدينة أخرى بحثا عن جامعة أو معهد أو فرصة تكوين... سأبحث عن غرفة للكراء يبلغ ثمنها 2200 درهم لبيت واحد مع الطالبات، قياسا على ما تدفعه أختى التي تدرس هذه السنة بمراكش... وسأواجه أعباء جديدة فقط لأن مدينتي لا تتوفر على مؤسسات جامعية تستوعب طموحات أبنائها.
لم أجد جوابا سريعا. شعرت لحظتها أن موضوع الامتحان لم يعد مجرد مفهوم نظري يناقشه التلاميذ داخل القاعات، بل تحول إلى سؤال واقعي يطرحه الشباب على أنفسهم كل يوم وابنتي واحدة منهم.
ثم واصلت حديثها مستغلة توقفي عن الكلام:
عندما يشعر الشاب أن مستقبله مرهون بالرحيل، وأن مدينته لا تستطيع احتضان أحلامه، فإنه يفقد شيئا فشيئا إحساسه بالانتماء والمشاركة. وحينها يصبح الحديث عن العزوف السياسي نتيجة طبيعية أكثر منه اختيارا شخصيا.
ساد الصمت للحظات، ثم أدركت أن ابنتي لم تكن تناقش موضوع امتحان فقط، بل كانت تناقش جزءا من واقع جيل كامل.
بعدها التفتت إلى زوجتي وقلت لها، اعتقد أنه حان موعد الطعام... ضحكت بدورها، وقالت؛ خسرت المناظرة فالطعام إذن موجود