24/06/2026
"حين يبتلع الولاءُ الكفاءة"
في كثير من الجامعات الرياضية، لا تبدو الأزمة في الأشخاص بقدر ما تكمن في الثقافة التي تحكم العلاقات داخل المنظومة. فحين يصبح الولاء هو العملة الأكثر تداولاً، تتراجع الكفاءة إلى الصفوف الخلفية، ويغدو الانتماء إلى شبكة النفوذ أكثر قيمة من القدرة على العطاء والإبداع والإنجاز.
إن بعض المسؤولين، حين يجعلون من البقاء في مواقع القرار هدفاً يتقدم على تطوير الرياضة، لا يكتفون بتسيير المؤسسات، بل يشرعون في بناء منظومات حماية قائمة على تبادل المصالح. فتتشكل مع مرور الزمن دوائر من الموالين، تُمنح لها الامتيازات بأشكال مختلفة، ليس بالضرورة لأنها الأكثر كفاءة، بل لأنها الأكثر استعداداً لتوفير الدعم والاصطفاف عند الحاجة.
ومن الجهة المقابلة، يجد بعض المدربين والمسيرين الذين لم يتمكنوا من فرض مكانتهم بالاجتهاد والتميز، في هذه العلاقة فرصة لتعويض ما عجزوا عن تحقيقه بالمنافسة الشريفة. فيتحول الولاء إلى طريق مختصر نحو المكاسب، ويصبح الدفاع عن الأشخاص أكثر أهمية من الدفاع عن المبادئ.
ومع مرور الوقت، تنشأ حالة من التعايش بين طرفين يحتاج كل منهما إلى الآخر؛ مسؤول يحتاج إلى قاعدة تضمن له الاستمرار، وموالٍ يحتاج إلى مظلة تمنحه ما لا يستطيع الحصول عليه بوسائله الذاتية. وهكذا تتشابك المصالح إلى درجة يصبح معها التمييز بين خدمة الرياضة وخدمة الأشخاص أمراً بالغ الصعوبة.
وعندما ترتفع أصوات الإصلاح مطالبة بالمحاسبة والتغيير، فإنها لا تواجه فقط أصحاب القرار، بل تصطدم أيضاً بجدار من الولاءات المتراكمة عبر السنين. والغريب أن كثيراً ممن يُدفعون إلى واجهة المواجهة يعتقدون أنهم يدافعون عن المؤسسة، بينما هم في الحقيقة يدافعون عن وضع قائم ارتبطت به مصالحهم، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج ثقافة الولاء؛ إذ تتحول الخلافات الفكرية والإدارية إلى مواجهات بين الإخوة والزملاء، ويتحول النقاش حول مستقبل الرياضة إلى صراع بين معسكرات. فتضيع الحقيقة وسط الضجيج، وتتوارى المصلحة العامة خلف الحسابات الخاصة، ويصبح الإصلاح مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.
إن المؤسسات التي تُبنى على الولاءات تشبه الأبنية التي تُشيَّد فوق الرمال؛ قد تبدو متماسكة لبعض الوقت، لكنها تظل عاجزة عن إنتاج نهضة حقيقية. فالرياضة لا تتطور بالتصفيق للمسؤولين، ولا بإقصاء الأصوات الناقدة، ولا بتوزيع الامتيازات على أساس القرب والولاء، بل تتطور عندما يصبح المعيار الوحيد هو الكفاءة، وعندما تُفتح الأبواب أمام المنافسة الشريفة، وعندما يُنظر إلى الاختلاف في الرأي باعتباره مصدر قوة لا تهديداً يجب القضاء عليه.
ولذلك، فإن أكبر عائق أمام الإصلاح ليس وجود معارضة أو مطالب بالتغيير، بل استمرار الاعتقاد بأن الولاء للأشخاص أهم من الولاء للمؤسسة. فحين تنتصر هذه الفكرة، تتوقف عجلة التطور، وتبقى الرياضة تدور في الحلقة نفسها، مهما تغيرت الشعارات وتبدلت الوجوه.
إن النهضة الرياضية الحقيقية تبدأ يوم يصبح الولاء للمبادئ والقوانين والمصلحة العامة، لا للأفراد ومراكز النفوذ؛ يومها فقط يمكن أن تتحول المؤسسات الرياضية من فضاءات لتدبير المصالح إلى مؤسسات لصناعة الأبطال وبناء المستقبل.