30/08/2026
# # # حين يصبح غياب الإدارة التقنية… ورقةً لإدارة التوازنات
في الرياضة، هناك فرق كبير بين مؤسسة تعجز عن بناء إدارة تقنية، ومؤسسة لا تستعجل بناءها لأنها ترى في غيابها مساحةً لإدارة المشهد.
الأولى تعاني من خللٍ مؤسسي.
أما الثانية، فالمشكلة فيها أعمق؛ لأن الخلل لم يعد مجرد نتيجة، بل أصبح جزءًا من آلية الاشتغال.
وفي منظومة التايكواندو، يعرف كثيرون أن عدم هيكلة الإدارة التقنية ليس مجرد ملف مؤجل، ولا مجرد نقص في التنظيم ينتظر الوقت المناسب. يعرفون أن بقاء هذا الفراغ يمنح الجامعة مساحة واسعة للتحرك بين الأشخاص والملفات والتوازنات، وأن وجود إدارة تقنية حقيقية، باختصاصاتها ومعاييرها ومسؤولياتها، قد يضيّق هذه المساحة ويجعل القرار التقني أكثر مؤسسية وأقل ارتباطًا بالتوازنات.
وهنا تبدأ المفارقة.
ما يفترض أن يكون نقطة ضعف في المنظومة، يتحول إلى ورقة قوة في إدارة المشهد.
فالإدارة التقنية المهيكلة تضع قواعد للعبة خارج حدود الأشخاص:
من يختار؟
وفق أي معيار؟
من يضع المشروع؟
من يتابع تنفيذه؟
من يتحمل المسؤولية؟
ومن يُحاسب عندما تكون النتائج دون الطموح؟
أما حين لا توجد هذه البنية بوضوح، فإن كثيرًا من هذه الأسئلة تظل معلقة، وتبقى مساحة القرار أوسع، وأقل قابلية للمساءلة، وأكثر قابلية لإدارة التوازنات.
واللافت أن هذه الحقيقة لم تعد خافية على كثير من الفاعلين.
المدربون يرونها.
رؤساء الجمعيات يرونها.
رؤساء العصب يرونها.
وحتى أولئك الذين لا يتحدثون عنها علنًا يدركون أن وجود إدارة تقنية مستقلة ومؤسسة على الكفاءة قد يغير قواعد كثيرة داخل المشهد.
لكن هنا تظهر المشكلة الأكبر:
حين يعرف الجميع كيف تُدار الورقة، ولا أحد يريد أن يضعها على الطاولة.
قد ينتقد المدرب في جلسة خاصة، وقد يتحدث رئيس جمعية عن ضرورة الإصلاح، وقد يشتكي آخرون من غياب الرؤية التقنية، ثم يعود الجميع إلى مواقعهم ويتعاملون مع الواقع نفسه، لأن لكل واحد حساباته، ومصالحه، ومخاوفه، وانتظاراته.
وهكذا يصبح الصمت جزءًا من التوازن.
ليس بالضرورة لأن الجميع راضٍ، بل لأن كثيرين تعلموا كيف يتعايشون مع واقع يعرفون أنه غير سليم.
وهذه هي المرحلة الأخطر في أي منظومة:
أن يتحول الخلل من شيء نرفضه إلى شيء نتكيف معه.
فالجامعة قد ترى في عدم الهيكلة ورقةً نافعة في الحاضر؛ تتيح لها المحافظة على قدر من التحكم في التوازنات، وإدارة الاختلافات، واستيعاب القوى المتنافسة، وتوزيع الأدوار بحسب الظرف.
لكن ما يبدو نافعًا في إدارة الحاضر قد يصبح عبئًا ثقيلًا على مستقبل الرياضة.
لأن الإدارة التقنية ليست مكتبًا إداريًا إضافيًا، ولا مجرد مجموعة أسماء ومناصب.
إنها ذاكرة المشروع الرياضي، وعقله التنظيمي، وآليته للتخطيط والتقييم والتقويم والتراكم.
وحين تغيب هذه الوظيفة المؤسسية سنوات طويلة، تصبح القرارات التقنية أكثر ارتباطًا بالأشخاص والظروف، ويصبح كل تغيير في الأشخاص قادرًا على إعادة ترتيب المشهد من جديد، بدل أن يكون المشروع الرياضي هو الذي يفرض استمراريته على الأشخاص.
وهنا يجب أن ننتبه إلى أمر بالغ الأهمية:
قد تستطيع الجامعة أن تحافظ بهذه الطريقة على توازناتها الداخلية لسنوات، لكنها لا تستطيع أن تمنع الرياضة من دفع الثمن.
فاللاعب الذي يحتاج إلى مسار واضح، والمدرب الذي يحتاج إلى رؤية تقنية مستقرة، والجمعية التي تحتاج إلى معايير واضحة، والعصب التي تحتاج إلى أدوار محددة، والمنتخب الذي يحتاج إلى مشروع يمتد لسنوات، كل هؤلاء لا يمكن أن يعيشوا إلى الأبد داخل إدارة تقوم على تدبير اللحظة.
التوازن الإداري ليس هو التوازن الرياضي.
قد يكون المشهد هادئًا من الخارج، وقد لا تقع أزمات كبيرة، وقد تستمر المنافسات والبطولات والمنتخبات، لكن الهدوء لا يعني بالضرورة أن المنظومة تسير في الاتجاه الصحيح.
أحيانًا يكون الهدوء مجرد نتيجة لقدرة النظام على إدارة الاختلاف، لا على حل أسبابه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا لا توجد إدارة تقنية؟
بل:
ماذا تخشى المنظومة أن تخسره إذا أصبحت الإدارة التقنية مؤسسةً حقيقية؟
هل ستخسر بعض مساحة التحكم؟
هل ستتغير بعض التوازنات؟
هل ستصبح بعض القرارات خاضعةً لمعايير واضحة بدل أن تكون رهينةً للظرف؟
هل سيصبح من الصعب تغيير الأشخاص دون تغيير المشروع؟
وهل ستنتقل الرياضة من منطق "من نضع؟" إلى منطق "ماذا نريد أن نبني؟"
إذا كان الجواب نعم، فإننا نفهم لماذا يصبح الإصلاح مؤجلًا رغم أن الجميع يعرف ضرورته.
لكن التاريخ الرياضي لا يرحم مثل هذه الحسابات.
فالجامعة قد تستطيع أن تؤجل الهيكلة، وقد تستطيع أن تدير التوازنات، وقد تستطيع أن تحافظ على الوضع القائم لبعض الوقت؛ لكنها لا تستطيع أن تؤجل إلى ما لا نهاية كلفة غياب المشروع التقني.
وفي النهاية، ستأتي لحظة يصبح فيها السؤال أكبر من قدرة التوازنات على احتوائه:
ماذا بنينا خلال كل هذه السنوات؟
وهنا لن يكون مهمًا من كان أقوى في إدارة التوازنات، ولا من استطاع الحفاظ على موقعه، ولا من نجح في احتواء خصومه.
سيكون السؤال الوحيد:
هل استطعنا أن نبني رياضةً قادرة على الاستمرار بعد أن تتغير الأسماء والمواقع والتحالفات؟
لأن المؤسسة التي تحتاج إلى غياب الهيكلة حتى تحافظ على توازناتها، قد تكون قد ربحت معركة الإدارة…
لكنها قد تكون، من حيث لا تشعر، تخسر معركة المستقبل.