04/01/2026
في ذكرى مرور 1218 سنة على تأسيس مدينة فاس، نقف بإجلال أمام مدينة ليست كغيرها، بل ذاكرة حيّة تختزل تاريخ المغرب وعمقه الحضاري والروحي. فاس، التي أسسها المولى إدريس الثاني سنة 808م، لم تكن مجرد مدينة، بل مشروع حضاري متكامل جمع بين العلم والدين والصناعة والفن.
منذ نشأتها، تحولت فاس إلى منارة للعلم والمعرفة، واحتضنت جامعة القرويين، أقدم جامعة في العالم ما تزال تزاول دورها العلمي، حيث تخرّج منها علماء وفقهاء ومفكرون كان لهم أثر بالغ في الحضارة الإسلامية والإنسانية. كما كانت المدينة قبلة للطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي والأندلس وإفريقيا.
وتتجلى عراقة فاس في معالمها التاريخية الخالدة، من باب بوجلود بأسواره المهيبة، إلى فاس العتيقة بأزقتها الضيقة وأسواقها النابضة بالحياة، مرورًا بالمدارس العتيقة، والزوايا، والقصور، ودور الصناعة التقليدية التي حافظت على حرفها جيلاً بعد جيل، مثل الدباغة، الزليج، والنحاس.
وعلى مدى أكثر من اثني عشر قرنًا، لعبت فاس دورًا محوريًا في تشكيل الهوية المغربية، فكانت عاصمة للعلم، ومركزًا للقرار السياسي في فترات متعددة، وفضاءً للتعايش بين الثقافات والأديان في انسجام ترك بصمته في نسيج المدينة العمراني والاجتماعي.
إن إحياء ذكرى تأسيس فاس بعد 1218 سنة، ليس مجرد احتفال بتاريخ مضى، بل هو تجديد للعهد مع مدينة صنعت المجد، ودعوة للحفاظ على تراثها المادي واللامادي، وصون روحها الأصيلة في وجه تحديات العصر. فاس ستظل دائمًا مدينة العلم والحضارة، وجوهرة مغربية تشع نورًا عبر الزمن.