28/10/2025
في انتظار صدور قرار مجلس الأمن، أعيد نشر المقال الذي سبق أن نشرته بتاريخ 26 يونيو 2025
هل يتبنى النظام العسكري الجزائري الحالي خطة الشاذلي بن جديد؟
خطة الرئيس الجزائر، الشاذلي بن جديد: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية… استقلال مقنّع و تقسيم غير مباشر للصحراء
تُظهر وثيقة رفعت عنها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) السرية سنة 2016، أن الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد عرض، خلال زيارته الرسمية إلى واشنطن بين 16 و22 أبريل 1985، تصورًا لتسوية النزاع حول الصحراء، يقوم على منح الإقليم حكمًا ذاتيًا موسعًا في إطار السيادة المغربية.
غير أن القراءة التحليلية لمضمون المقترح تُظهر أنه لم يكن يهدف إلى إنهاء النزاع، بقدر ما كان يسعى إلى إرساء استقلال مقنّع يضمن للجزائر نفوذًا طويل الأمد داخل الصحراء، و يحول دون بروز المغرب كقوة أطلسية–إفريقية صاعدة.
النفوذ الجزائري في الصحراء: استقلال تحت غطاء السيادة المغربية
كان جوهر مقترح بن جديد هو إبقاء عناصر جبهة البوليساريو –التي تولّت الجزائر تسليحها و تمويلها و تدريبها منذ منتصف السبعينيات– في مواقع القرار داخل الإقليم، من خلال صيغة “الحكم الذاتي الواسع”.
ففي التصور الجزائري، تُمنح الساقية الحمراء و وادي الذهب إدارة ذاتية لشؤونها الداخلية، بينما تبقى السيادة الاسمية للمغرب. غير أن الهياكل السياسية و الإدارية التي ستنشأ داخل هذا الكيان ستكون مرتبطة سياسيًا و أيديولوجيًا بالجزائر، بما يسمح لها بالتحكم غير المباشر في قرارات الإقليم.
و توضح تقارير الـCIA أن الجزائر سعت من خلال هذا المقترح إلى الحفاظ على نفوذها داخل أراضي الخصم الاستراتيجي (المغرب)، خصوصًا في شريط ساحلي يمتد على المحيط الأطلسي، لما يحمله من أهمية جيوسياسية و اقتصادية في علاقات الرباط بإفريقيا و أوروبا.
كما رأت الجزائر أن مشاركتها في مراحل تنفيذ و مراقبة الحكم الذاتي ستمنحها موقع “الشريك الإجباري” في أي تسوية، ما يوفر لها نفوذًا يتجاوز وزنها الجغرافي و السياسي في المنطقة.
و قد حذّر تقرير استخباراتي أمريكي مؤرخ في دجنبر 1985 من أن “المقترح الجزائري يهدف إلى خلق منطقة نفوذ دائمة تتيح للجزائر مراقبة النفوذ المغربي في إفريقيا الغربية و الأطلسية” (CIA Declassified Report, 1985).
فالمغرب، في حال بسط سيادته الكاملة على الصحراء، كان سيحقق امتدادًا استراتيجيًا نحو العمق الأطلسي الإفريقي، ليصبح فاعلًا محوريًا في سلاسل التوريد و الربط الطاقي بين أوروبا و إفريقيا. و من هنا، أرادت الجزائر فرملة هذا الطموح الجيوسياسي عبر فرض “مفصل سياسي” يمكنه مستقبلاً تعطيل أو التفاوض حول السياسات المغربية جنوبًا و غربًا.
الكيان العازل ضد “الطوق المغربي”
تؤكد مراسلات داخلية بين الخارجية الأمريكية و سفارتها في الجزائر سنة 1985 (U.S. Department of State, Central Foreign Policy Files) أن مقترح الحكم الذاتي الجزائري كان مدفوعًا بهاجس أمني عميق يتمثل في الخوف من ما سُمّي بـ“الطوق المغربي”.
إذ إن سيطرة المغرب الكاملة على الصحراء كانت ستجعل الجزائر مطوّقة جيوسياسيًا:
•من الغرب بالمغرب،
•من الجنوب بموريتانيا المتحالفة مع الرباط،
•و من الشمال بواجهة متوسطية خاضعة لتأثير حلف الناتو.
لذلك، كان إنشاء كيان “صحراوي مستقل ذاتيًا” يمثل بالنسبة للجزائر منطقة عازلة تفصلها عن النفوذ المغربي، و تمنع هذا الأخير من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة في الممرات الأطلسية.
و قد وصف أحد المحللين الفرنسيين المقربين من وزارة الدفاع الفرنسية في حينه هذا التصور بأنه “تقسيم غير معلن للصحراء، يضمن للجزائر ما لم تحققه عسكريًا عبر البوليساريو” (Jean Leca, Le Maghreb et les équilibres atlantiques, R***e Défense Nationale, 1986).
تكشف خطة الشاذلي بن جديد عن براغماتية جزائرية مزدوجة: فمن جهة، سعت الجزائر إلى تقديم نفسها في واشنطن كشريك “واقعي” منفتح على التسويات، و من جهة أخرى، حاولت تمرير مشروع استقلال مؤجل تحت غطاء الحكم الذاتي.
و بذلك، لم يكن المقترح سوى محاولة لإدامة الصراع في شكل جديد، يضمن للجزائر بقاءها فاعلًا مهيمنًا في معادلة
الصحراء، حتى و إن تم الاعتراف بسيادة المغرب عليها من حيث الشكل.
عمليًا، يبدو أن النظام الجزائري الحالي يسعى إلى تدوير الخطة القديمة ضمن سياق جديد، يقوم على:
1. رفض صريح للحكم الذاتي المغربي كمشروع سيادي شامل.
2. الترويج لصيغة “الاستقلال داخل السيادة” عبر وساطات إفريقية أو أممية، تُبقي للجزائر موقع الشريك الإجباري في أي اتفاق.
3. محاولة إعادة هندسة البوليساريو سياسيًا لتكون أداة نفوذ مرنة بدلًا من عبء عسكري، ما يعيد إنتاج جوهر مشروع 1985 في إطار أكثر براغماتية.
تحليلات مراكز الدراسات الفرنسية والأمريكية (مثل IFRI وBrookings Doha Center) تشير إلى أن الجزائر تحاول اليوم الحفاظ على “منطقة رمادية” في الصحراء، تمنع المغرب من تحقيق استقرار نهائي، وتُبقي النزاع مفتوحًا كوسيلة ضغط إقليمي.
وهذا يتطابق تمامًا مع منطق الشاذلي بن جديد الذي رأى في “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية” أفضل وسيلة لتجميد الصراع دون حسمه.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن النظام العسكري الجزائري لا يزال يتبنى جوهر خطة الشاذلي بن جديد، وإن كان يعيد صياغتها بلغة دبلوماسية محدثة، تُراعي التحولات الإقليمية وموازين القوى الدولية بعد 2020.
فمن منظور استراتيجي، لم تتغيّر الغاية: منع المغرب من السيطرة الكاملة على الصحراء، وضمان بقاء الجزائر لاعبًا إلزاميًا في أي تسوية مستقبلية