06/10/2025
قصة شهيدنا الشهيد النقيب فاروق نجم
من ابطال قوات الصاعقة بحرب 67
و اول شهداء دوريات الاستطلاع عام 1968
"عند وصولنا إلى المنطقة الشجرية قرب نقطة العبور ، ترجلنا من العربات قرب الطريق ، وأنزلنا القوارب المطاطية والمجاديف ومعدات النفخ، وأخذ كل منا يصلح من وضع سلاحه وذخيرته ليثبتها حول خصره ، وتقدمنا فى تشكيلات القوارب قرب منطقة العبور فى حرص وصمت والظلام الدامس يلف المكان .
كانت الثغرات قد أعدت مسبقاً ورئيس استطلاع الجيش يجلس القرب من الثغرة الرئيسية ومعه نقيب سلاح المهندسين والذى كان مشرفاً على فتح وتأمين الثغرات على البر الغربى للقناة ،
ومكثنا فترة فى وضع انتشار قرب ثغرات العبور حتى يتم تنسيق بعض الأمور بين قائد الكتيبة الرائد أسامة إبراهيم وقائد وحدة المشاة المسئولة عن تأمين ذلك القطاع ، وعندما حانت لحظة التقدم نحو القناة لبدء العبور ، كان النقيب فاروق نجم يصيح بصوت خفيض لينادى على كل مجموعة للتقدم نحو الثغرة المحددة للعبور ، وكان هو فى مقدمة القارب الثالث بعد عبور مجموعة الاستطلاع ومجموعة تأمين رأس كوبرى منطقة العبور بقيادة الملازم عبد الله عمر .
وسارت العملية فى سهولة ويسر حتى اكتمل عبور القوة تحت إشراف قائد الكتيبة الرائد أسامة إبراهيم ، ثم تقدمت المجموعات فى حرص وحذر نحو الطريق العرضى الذى تتحرك عليه دوريات العدو ، وبدأنا فى توزيع المجموعات على امتداد الطريق مع وضع حبل الألغام مع مجموعة القطع أقصى يمين الدورية .
وكان النقيب فاروق يرقد فى منتصف الدورية ومضت ساعات طويلة دون أن تظهر الدورية الإسرائيلية التى كنا نستهدفها ومضت قرابة الساعتين ونصف الساعة ونحن نرقد فى مواقع الكمين خلف كديات الحشائش التى تغطى تلك المنطقة ، وكانت الأحاديث تدور همساً بين المجموعات المتباعدة على امتداد الطريق ، وبدأت لسعة البرد تدغدغ أوصالنا ، وبعد منتصف اللليل بدأت أصوات العربات تصافح آذاننا ، كان الصوت قادماً من اتجاه ممر متلا ، وكلما اقتربت من موقع الكمين أحكم الأفراد اختفاءهم خلف الكديات التى يرقدون وراءها ، وظللنا نراقب اقتراب عربات العدو وأعيننا محدقة فى الأنوار الخافتة التى ترسلها .
وعندما توسطت العربات منتصف الكمين حيث كنا نرقد كمجموعات تدميربدأنا الاشتباك بالضرب على العربتين بالأربى جيهات ، وتبع ذلك غمر العربتين بوابل من الرصاص المختلط بين طلقات عادية وطلقات كاشفة وطلقات خارقة حارقة والتى كنا نعمر بها الخزن قبل العمليات ، وأصيبت العربة الأمامية إصابة مباشرة أوقفتها على الفور فى وسط الكمين ، وانحرفت العربة الثانية من هول المفاجأة خارج الطريق لتولى مؤخرتها نو الكمين ، ولكنها لم تستطع التقدم كثيراً حيث لحقت بها قذيفة آربى جى أخرى أصابتها إصابة مباشرة ، ثم توالت القذائف على العربتين مصحوبة بسيل من طلقات البنادق والرشاشات ،
حدث كل ذلك فى ثوان معدودة ونحن نشعر مع غزير الطلقات بالسيطرة الكاملة على الموقف وأن العدو الذى نستهدفه لا يملك القدرى على المناورة و الرد ، ولم يستغرق الأمر برمته أكثر من خمس دقائق كنا فيها نشعر بسعادة تغمرنا ونحن نشاهد اشتعال النيران والدخان فى العربتين ونتيقن أن النجاح الذى كنا ننشده ونبتهل إلى الله أن يوفقنا إليه قد حدث ....
وفى نشوة الفرحة التى غمرتنا وصيحات الله أكبر التى انطلقت من حناجرنا فوجئنا بالنقيب فاروق نجم يصيح منادياً صديقته ودفعته النقيب محمد فاروق المنزلاوى والذى أصر على المشاركة فى الدورية بجزء من وحدته التى يقودها كى يكون إلى جوار صديقه الحميم فاروق نجم :
منزلاوى .. غطينى .. أنا هقتحم وأجيب أسير
فرد المنزلاوى بصوت جهورى :
بلاش يا نجم كفاية قوى كده
ولكن النقيب نجم كان قد عقد العزم على تتويج العملية بأسر أحد جنود العدو وفوجئنا به ينهض واقفاً ويطلق طلقة مضيئة أنارت موقع العربات ، ثم اندفع ومعه بعض الجنود فى اتجاه العربة الخلفية المحترقة ، ولكنه ما كاد يقترب من العربة حتى انطلقت باتجاهه طلقات كثيفة جاءت من أسفل العربة صادرة عن أحد جنود العدو الجرحى والذى كمن خلف العربة على الناحية العكسية من الطريق وسمعنا صرخة ألم مدوية صادرة من النقيب فاروق أوقعت قلوبنا ، قمنا بتكثيف النيران تجاه العربة التى انطلقت من جهتها النيران حتى أسكتناها ، وفوجئنا بمجموعة الاقتحام التى صاحبت النقيب فاروق تعود مسرعة وهى تحمله وتصيح فينا أن ننسحب وبدأنا رحلة العودة باتجاه القناة بأقصى سرعة ... وكنا نتناوب حمل النقيب فاروق مع بعضنا البعض وأصوات الطلقات تحيط بنا من اتجاه النقاط القوية للعدو على الضفة الشرقية عند منطقة الشط ، وفى عدونا اللاهث فى اتجاه القناة سكتت حشرجته وأسلم الروح شهيداً "..
المصدر : رواية رحلة الحب والحرب ،
كتابة سيادة اللواء اح حسين على عبد الرازق