05/06/2026
"اليوم الدولي لمكافحة الصيد غير القانوني وغير المنظم"
في الخامس من يونيو من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي لمكافحة الصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم ( IUU Fishing). وقد أقر هذا اليوم من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ليكون تذكيراً قوياً بأحد أكثر التهديدات إلحاحاً وخطورةً التي تواجه محيطاتنا وبحارنا وما فيها من ثروات اليوم، رغم أنه غالباً ما لا يحظى بالاهتمام الكافي. ومع استمرار النظم البيئية البحرية في التعرّض لضغوط غير مسبوقة نتيجة الأنشطة البشرية، يسلّط هذا اليوم الضوء على الحاجة الملحّة إلى اتخاذ إجراءات جماعية لحماية الموارد البحرية العالمية لصالح الأجيال الحالية والأجيال المستقبلية.
#الهدف من هذا اليوم:
يتمثل الهدف الأساسي لليوم الدولي لمكافحة الصيد غير القانوني وغير المنظَّم في لفت انتباه المجتمع الدولي إلى الآثار المدمّرة لممارسات الصيد غير المشروعة. ولا تقتصر هذه الآثار على الأضرار المباشرة التي تلحق بمخزونات الأسماك، بل تمتد لتؤثر في جوانب متعددة من رفاهية الإنسان والبيئة.
#أولاً: يتسبب الصيد غير القانوني في إلحاق أضرار جسيمة بالنظم البيئية البحرية. فالممارسات المدمّرة، مثل الصيد بشباك الجر القاعية في المناطق المحمية، واستخدام معدات الصيد المحظورة، واستهداف الأنواع المهددة بالانقراض، تؤدي إلى إخلال بالتوازنات البيئية الدقيقة التي تطورت عبر آلاف السنين . كما تتعرض الشعاب المرجانية ومناطق التكاثر والسلاسل الغذائية البحرية بأكملها لأضرار يصعب اعادة تأهيلها.
#ثانياً: يبرز هذا اليوم التهديد الذي يشكله الصيد غير القانوني على الأمن الغذائي العالمي. فالأسماك تمثل مصدراً أساسياً للبروتين والعناصر الغذائية لمليارات البشر حول العالم، لا سيما في المجتمعات الساحلية والجزرية التي تفتقر إلى بدائل غذائية كافية. وعندما تنهار المخزونات السمكية نتيجة الاستغلال غير المشروع، تواجه المجتماعات والفئات الأكثر هشاشة مخاطر الجوع وسوء التغذية.
#ثالثاً: يسلّط هذا اليوم الضوء على الخسائر الاقتصادية التي تتكبدها كثير من الدول، وخاصة الدول النامية. إذ تفقد العديد من الدول الساحلية مليارات الدولارات سنوياً بسبب عمليات الصيد غير القانوني، ما يحرمها من إيرادات كان يمكن توجيهها لدعم المبادرات التنموية مثل التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية.
#ما المقصود بالصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم؟
يشمل الصيد غير القانوني وغير المبلَّغ عنه وغير المنظَّم (IUU Fishing) مجموعة واسعة من الأنشطة الضارة. ومن أبرز هذه الأنشطة ممارسة الصيد دون الحصول على التراخيص أو التصاريح اللازمة، مما يتيح للمشغلين التهرب من الرقابة والمساءلة. كما يشمل مخالفة القواعد واللوائح المعتمدة، مثل الافراط في صيد صغار الاسماك أو تجاوز حصص الصيد المقررة التي وُضعت للحفاظ على استدامة المخزونات السمكية.
وتشتمل أشكال الصيد غير المشروع الأخرى على ممارسة الصيد في المناطق المغلقة أو المقيدة، مثل المحميات البحرية، ومناطق التكاثر، أو المياه الخاضعة لسيادة دول أخرى. كما أن عدم الإبلاغ الدقيق عن كميات الأسماك المصطادة وأنواعها يحول دون قدرة الجهات المختصة على مراقبة حالة المخزونات السمكية وتطبيق اللوائح بفعالية.
ومن أكثر الجوانب إثارة للقلق في هذا المجال ظاهرة السفن التي تبحر تحت ما يُعرف بـ«أعلام الملاءمة». حيث تسجل هذه السفن في دول تتسم بتشريعات بحرية متساهلة، ما يسمح لها بالعمل خارج الأطر والمعايير الدولية وتجنب المساءلة القانونية. وتؤدي هذه الممارسة إلى ظهور أسطول خفي يعرقل الجهود العالمية الرامية إلى الحفاظ على الموارد البحرية.
#لماذا يعد هذا الأمر مهماً؟
تكتسب مكافحة الصيد غير القانوني أهمية كبيرة لعدة أسباب جوهرية. فمن الناحية المباشرة، يؤدي هذا النوع من الصيد إلى استنزاف المخزونات السمكية بمعدلات غير مستدامة، مما يدفع العديد من الأنواع نحو الانهيار ويهدد استمرارية قطاع المصايد على المدى الطويل. وقد وصلت بعض الأنواع، مثل التونة زرقاء الزعانف، وبعض أنواع أسماك القرش، وعدد من أنواع الأسماك القاعية، إلى مستويات حرجة نتيجة الاستغلال غير القانوني.
كما يضر الصيد غير القانوني بالصيادين الملتزمين بالقوانين والأنظمة. إذ يواجه المشغلون الشرعيون منافسة غير عادلة من أولئك الذين يتجاهلون حصص الصيد، ويتجنبون الضرائب، ويتحايلون على متطلبات السلامة. ويمكن أن تؤدي هذه الممارسات إلى خروج الصيادين الملتزمين من السوق وزعزعة استقرار المجتمعات الساحلية التي تعتمد على الصيد كمصدر رزق منذ أجيال.
وعلاوة على ذلك، يشكل الصيد غير القانوني وغير المنظم تهديداً مباشراً لمبادئ الصيد المستدام. فعلى مدى عقود، أسهمت الأبحاث العلمية والتعاون الدولي في تطوير أطر فعّالة لإدارة الموارد البحرية بصورة مسؤولة، إلا أن هذه الجهود تتعرض للتقويض عندما يتم جزء كبير من المصيد العالمي خارج هذه الأطر. ومن دون بيانات دقيقة والتزام كامل بالقوانين، تصبح الإدارة الرشيدة للموارد البحرية أمراً بالغ الصعوبة.
#كيف يتم إحياء هذا اليوم؟
يحتفى باليوم الدولي لمكافحة الصيد غير القانوني وغير المنظَّم من خلال مجموعة متنوعة من الأنشطة حول العالم. حيث تُنظَّم فعاليات توعوية وتثقيفية تهدف إلى رفع مستوى الوعي لدى الجمهور والطلاب والعاملين في القطاع البحري بشأن حجم المشكلة وآثارها. وتشمل هذه الأنشطة الندوات وورش العمل وعروض الأفلام الوثائقية والمعارض المتخصصة.
كما تنشر الحكومات والمؤسسات البحثية تقارير وإحصاءات محدثة لتعزيز الشفافية بشأن أوضاع المصايد العالمية ومستوى التقدم المحرز في جهود الرقابة والتنفيذ. وتكثف المنظمات الدولية، مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، والإنتربول، والهيئات الإقليمية لإدارة المصايد، جهود التنسيق وإنفاذ القوانين، وغالباً ما تتزامن الإعلانات أو العمليات الكبرى مع هذه المناسبة.
ويلعب الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في إيصال الرسالة إلى نطاق أوسع، من خلال نشر المعلومات المتعلقة بخيارات المستهلكين، وشهادات اعتماد المأكولات البحرية المستدامة، والوسائل التي يمكن للأفراد من خلالها الإسهام في الحل. كما تساعد الحملات الرقمية والرسوم المعلوماتية والقصص الشخصية من المجتمعات الساحلية على الوصول إلى جماهير واسعة حول العالم.
#حقيقة مقلقة:
يتضح حجم المشكلة من خلال إحصائية واحدة صادمة؛ فوفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، يتم صيد ما يصل إلى 26 مليون طن من الأسماك سنوياً بصورة غير قانونية أو دون تنظيم. ويمثل ذلك نحو 15% من إجمالي المصيد العالمي، أي ما يعادل سمكة واحدة تقريباً من كل سبع أسماك يتم اصطيادها من البحار والمحيطات. وتقدر القيمة الاقتصادية لهذا الصيد غير المشروع بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً، مما يجعل الصيد غير القانوني وغير المنظَّم أحد أكبر الأنشطة غير المشروعة في العالم.
#ختاماً:
يشكل اليوم الدولي لمكافحة الصيد غير القانوني وغير المنظَّم منصة مهمة لتعزيز الوعي، وحشد الموارد، وتشجيع التعاون الدولي لمواجهة تهديد لا يعترف بالحدود الجغرافية. وتتطلب حماية محيطاتنا تضافر جهود الحكومات والمنظمات الدولية وقطاع الصيد والمستهلكين ومؤسسات المجتمع المدني.
ومن خلال فهم أبعاد الصيد غير القانوني ودعم الجهود الرامية إلى مكافحته، فإننا نساهم في الحفاظ على التنوع البيولوجي البحري، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم سبل العيش المشروعة، وضمان صحة كوكبنا الأزرق للأجيال القادمة. فالمحيطات هي مصدر حياة للجميع، وحمايتها من الاستغلال غير المشروع ليست مجرد قضية بيئية فحسب، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية مشتركة.
إعداد: أ.د.م./ علاء الفار
معمل بيولوجيا المصايد - شعبة المصايد
معاون مدير فرع المعهد للمياه الداخلية والمزارع السمكية