01/09/2026
'كذبتُ على أبي وأخبرته أنني رسبت، لسبب واحد فقط.. أردت منه أن يطردني من البيت.
في صباح ظهور نتائج القبول الجامعي في الإمارات، بقيت أحدّق طويلًا في الرقم الذي ظهر على شاشة هاتفي:
98.7٪.
وبعد أسبوع واحد فقط، أنفق أبي أكثر من مئتي ألف درهم على حفلة فخمة لابنه من زوجته الأخرى.. ذلك الشاب الذي نجح بالكاد.
وسط القاعة المزدحمة، رفع كأسه بفخر وقال بصوت عالٍ:
'ابني لؤي رفع رأسي. كل سنوات التعب لم تذهب سدى.'
وقفتُ بين الحضور صامتًا تمامًا.
لأنني أنا من كذب.
وكان لدي سبب دفعني إلى ذلك.
بدأ كل شيء في ذلك اليوم شديد الحرارة من أيام دبي.
يومها شعرت بفرح كبير وأنا أنظر إلى شاشة هاتفي.
98.7٪.
بقيت أنظر إلى الرقم طويلًا وأنا لا أصدق، حتى بدأت عيناي تؤلمانني من شدة التركيز.
أغلقت الشاشة بسرعة، ونهضت من مكاني وكأنني أركض خارج الغرفة، أريد فقط أن أخبر أبي بنجاحي.
كان المجلس الكبير في الطابق السفلي مضاءً بالكامل، ورائحة القهوة العربية والعود تملأ المكان. سمعت أصوات الضحك قبل أن أصل إليه.
وبينما كنت أتجه نحو الدرج، سمعت اسم لؤي يتردد داخل المجلس، فتباطأت خطواتي دون أن أقصد.
كانت زوجة أبي، موزة، تتحدث بسعادة واضحة:
'لؤي سيلتحق بأفضل جامعة يا راشد. يجب أن نقيم له حفلة تليق بابن عائلة المنصوري.'
جاء صوت أبي، راشد المنصوري، مليئًا بالفخر:
'بالطبع. ابني يستحق ذلك. أريد كل الناس أن تعرف أن ابني رفع رأسي.'
'ابني.'
هذه الكلمة وحدها كانت كافية لتؤلمني.
وقفت صامتًا خلف الجدار لحظات، أنظر إلى الضوء الخارج من باب المجلس.
الضحكات.
أكواب القهوة.
رائحة العود.
والفخر الذي لم أره في عينيه يومًا حين يتعلق الأمر بي.
ثم سمعت موزة تقول فجأة:
'بالمناسبة.. ماذا ستفعل بشأن الفيلا؟ سالم بلغ الثامنة عشرة الأسبوع الماضي.'
ساد صمت قصير داخل المجلس.
ثم جاء صوت أبي منخفضًا:
'سأتصرف في الأمر.'
قالت موزة بقلق واضح:
'لؤي يحتاج المال للدراسة في لندن، والفيلا وحدها تكفي لكل شيء.'
تنهد أبي ببطء، ثم قال:
'سالم لا يفهم شيئًا في القانون. يظن أن بلوغه الثامنة عشرة يعني أن كل شيء أصبح بين يديه.'
ترددت موزة قليلًا قبل أن تسأل:
'أليس من حقه استلام الفيلا الآن؟'
رد أبي بثقة وهدوء:
'ليس فورًا. والدته تركت المستندات الأصلية والتفاصيل القانونية عند المحامي، وهناك إجراءات لن تكتمل إلا بعد أشهر.'
ثم أضاف بصوت أخفض:
'وخلال هذه الفترة.. سيبقى محتاجًا إلينا.'
ضحكت موزة بخفة:
'وماذا لو تمرد فجأة؟'
ساد صمت قصير.
ثم قال أبي ببرود أخافني:
'إذا فشل في الاختبارات سأطرده من البيت.'
توقفت أنفاسي للحظة.
لكن صوته أكمل بهدوء مخيف:
'عندما يجد نفسه وحيدًا بلا مال ولا مكان يذهب إليه.. سيعود إلينا بنفسه.'
قالت موزة:
'وإذا رفض التوقيع؟'
ضحك أبي هذه المرة بخفة:
'لن يرفض. سالم لا يعرف كيف يعيش وحده أصلًا. أسابيع قليلة خارج هذا البيت وستكسره تمامًا.'
اختفت الأصوات من حولي فجأة.
كأن المجلس ابتعد آلاف الكيلومترات.
وفي تلك اللحظة فقط..
فهمت لماذا فعلت أمي كل ذلك قبل وفاتها.
رحمة لم تكن ساذجة أبدًا.
كانت تعرف أبي أكثر مني.
لهذا سجّلت الفيلا المطلة على البحر باسمي منذ سنوات، وتركت المستندات الأصلية والتفاصيل القانونية عند محامٍ تثق به، مع تعليمات واضحة بألا يحصل أحد على شيء دون حضوري وموافقتي الكاملة.
كانت تعرف أن يومًا كهذا سيأتي.
يوم أجد نفسي وحيدًا في هذا البيت.
ويبدو أنها كانت محقة.
عدت إلى غرفتي ببطء، وأغلقت الباب خلفي.
ثم فتحت هاتفي مرة أخرى.
98.7٪.
نظرت إلى الرقم طويلًا.
وفجأة.. بدأت أضحك.
ليس لأنني سعيد.
بل لأنني أدركت أن أبي لن يحبني كما يحب ابنه من زوجته الثانية.
جلست على طرف السرير أفكر دقائق، ثم نهضت فجأة.
أخرجت هاتفي.
وشغّلت مسجل الصوت.
بعدها خرجت بهدوء إلى آخر الممر، وأخفيت الهاتف خلف إحدى النباتات القريبة من باب مكتب أبي.
وفي صباح اليوم التالي، استرجعته.
كان قد سجّل كل شيء.
صوت موزة وهي تقول:
'لا تدعه يشعر أن له قيمة بدون هذا البيت.'
وصوت أبي:
'عندما يجوع ويضطر للنوم في الشارع، سأرمي له بعض المال.. وسيفعل ما أريد.'
لم يكن هناك حب.
ولا رحمة.
فقط طمع.
أرسلت التسجيل إلى أكثر من بريد إلكتروني، ورفعته على مساحة تخزين سحابية، ثم عدت إلى غرفتي.
فتحت الخزانة.
جمعت بعض الملابس داخل حقيبة سوداء، ثم وضعت ساعة أمي القديمة فوقها بحذر.
وبجانبها..
صورتها.
ونسخة من الوصية.
ومن الأسفل، كانت ضحكاتهم ما زالت ترتفع من المجلس وهم يتحدثون عن حفلة لؤي القادمة.
ابتسمت بسخرية.
ثم أمسكت هاتفي واتصلت بأبي.
رد بعد لحظتين:
'ها يا سالم؟ ظهرت النتيجة؟'
نظرت إلى الرقم المضيء أمامي مرة أخيرة.
98.7٪.
ثم قلت بهدوء تام:
'أبي.. لقد رسبت.'
ساد الصمت.
كنت أسمع أنفاسه الثقيلة فقط، قبل أن ينفجر غاضبًا:
'ماذا قلت؟! كل هذه السنوات أصرف عليك وفي النهاية تفشل؟! كيف سأرفع رأسي أمام الناس؟!'
ثم قال الجملة التي كنت أنتظرها:
'إذا كنت فاشلًا.. فلا مكان لك في هذا البيت. اخرج.'
أغلقت المكالمة.
ولم أشعر بأي شيء.
لا حزن.
لا صدمة.
ولا حتى غضب.
فقط هدوء بارد.
حملت حقيبتي، واتجهت نحو الباب.
توقفت لحظة ونظرت إلى المنزل للمرة الأخيرة.
الثريات الضخمة.
رائحة العود.
المجلس الممتلئ بالرجال كل ليلة.
وصور العائلة المعلقة على الجدران.. تلك التي لم أشعر يومًا أنني جزء منها.
ثم فتحت الباب.
استقبلني هواء دبي الحار ممزوجًا برائحة البحر.
فخرجت دون أن ألتفت خلفي.
وأقسمت في نفسي:
عندما أعود..
لن أعود بصفتي الابن الذي طردوه.
بل بصفتي المالك الحقيقي لكل شيء.
سرت في شوارع دبي الهادئة أسحب حقيبتي خلفي، بينما انعكست الأضواء الزرقاء والذهبية على زجاج الأبراج والسيارات المارة.
كانت المدينة مزدحمة كعادتها..
لكنني شعرت لأول مرة أنني وحدي تمامًا.
اهتز هاتفي برسالة قصيرة.
كانت من خالة أمي، مريم:
'يا سالم، أعددت العشاء. متى ستصل؟'
أغمضت عيني للحظة.
خالتي مريم كانت الشخص الوحيد الذي بقي قريبًا مني بعد وفاة أمي.
الوحيدة التي كانت تسأل إن كنت قد تناولت الطعام.
الوحيدة التي تتذكر عيد ميلادي كل عام.
والوحيدة التي لم..
يتبع'