07/05/2026
واقع التربصات التكوينية وإشكالية المركزية في تنظيمها
أصبحت التربصات التكوينية اليوم ضرورة حتمية لتطوير الرياضة ورفع مستوى التأطير، غير أن نجاح أي مشروع تكويني لا يرتبط فقط بالمحتوى الفني، بل يرتبط أيضًا بمدى انسجامه مع الواقع الحقيقي الذي يعيشه المدرب داخل الميدان.
وفي التربص الأخير المنظم بالعاصمة، ظهرت إشكالية باتت تتكرر في كل مرة، وهي المركزية المطلقة في التنظيم، وكأنّ جميع المدربين يعيشون الظروف نفسها، أو يملكون القدرة ذاتها على ترك التزاماتهم والتنقل لأيام طويلة.
فالمدرب الجزائري اليوم ليس شخصًا متفرغًا بالكامل للرياضة كما يعتقد البعض.
فمنهم من يعمل في مؤسسة أو إدارة، ومنهم من يشتغل عند الخواص، ومنهم من يعيل أسرة وله زوجة وأطفال ومسؤوليات يومية، إضافة إلى التزامه الرياضي داخل النادي.
ثم نصل إلى النقطة الأهم: كيف يُطلب من مدرب ينشط يوميًا مع ملاكميه، ويحضّرهم لبطولة الكأس، أن يتركهم في فترة حساسة من التحضير ويتنقل إلى العاصمة لأيام طويلة؟
الملاكم، خصوصًا في فئة الأشبال، يحتاج متابعة يومية دقيقة:
مراقبة الوزن،
التحضير البدني،
الجانب النفسي،
والانضباط الغذائي.
وأي غياب للمدرب في هذه المرحلة قد ينعكس مباشرة على جاهزية الملاكم، لأن بناء الرياضي لا يتم فقط أثناء النزال، بل خلال التفاصيل الصغيرة اليومية التي يشرف عليها المدرب بنفسه.
لهذا أصبح من الضروري اليوم إعادة النظر في طريقة تنظيم التربصات، والخروج من فكرة أن التكوين لا يكون إلا بالحضور الجسدي داخل العاصمة.
فالعالم الرياضي الحديث تجاوز منذ سنوات هذا النمط التقليدي، وأصبح يعتمد على التكوين السمعي البصري والمنصات الرقمية، خاصة في الدورات النظرية والتقنية.
وهنا يطرح سؤال منطقي نفسه: لماذا لا تعتمد الفدرالية نظام التربصات الجهوية أو الرقمية؟
فبدل تنقل عشرات المدربين من مختلف الولايات وتحملهم أعباء السفر والإقامة وترك التزاماتهم المهنية والعائلية، يمكن:
تنظيم محاضرات مباشرة عن بُعد،
إنشاء منصات تكوين إلكترونية،
تقسيم التربصات حسب النواحي،
وإجراء الامتحانات النهائية جهوياً.
هذا النظام لن يخفف الضغط فقط، بل سيفتح المجال أمام عدد أكبر من المدربين للمشاركة، ما يعني:
رفع عدد المتربصين،
زيادة مداخيل الفدرالية،
وتوسيع قاعدة التكوين دون إرهاق المدرب أو الرابطات.
ومن جهة أخرى، نلاحظ أن الفدرالية برمجت بطولات في جميع الأصناف، لكنها في المقابل تركت تنظيمها شبه اختياري، ما جعل أغلب الولايات تتجنب احتضان المنافسات بسبب الضغط المالي واللوجستي الكبير.
فالواقع يقول إن الرابطات تعاني:
من تكاليف الإيواء،
الإطعام،
النقل،
واستقبال الوفود.
وفي النهاية يجد المدرب نفسه في دوامة البحث عن:
مرقد للملاكمين،
مطاعم مناسبة،
وسائل نقل،
وظروف تحفظ الحد الأدنى من الراحة للرياضي.
وهنا يجب أن يكون تدخل الفدرالية حقيقيًا وفعّالًا، لا شكليًا أو بروتوكوليًا.
فالدعم الحقيقي للرابطات لا يكون عبر المظاهر أو الأريكات الشرفية، بل عبر:
توفير مبيت جماعي منظم للوفود،
برمجة مطاعم تعتمد غذاءً صحيًا رياضيًا،
المساهمة في النقل والتأطير،
ووضع خطة لوجستية واضحة تساعد الولايات على احتضان البطولات بدل الهروب منها.
لأن الرياضة لا تُبنى بالشعارات، بل بفهم الواقع الذي يعيشه المدرب يوميًا.
فالمدرب الذي يوازن بين عمله، أسرته، ومسؤوليته داخل النادي، ثم يُطلب منه التنقل المستمر دون مراعاة ظروفه، سيصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها الاستمرار عبئًا بدل أن يكون رسالة رياضية.
وتطوير الملاكمة الجزائرية لن يتحقق فقط ببرمجة البطولات والتربصات، بل بتحقيق التوازن بين متطلبات التكوين واحترام الواقع الاجتماعي والمهني للمدرب الجزائري