09/06/2026
الابعاد الاخرى للشطرنج...................................
فقرة أخرى للمقالات المؤسسة للشطرنج مادة تربوية كاملة غير الرياضية التنافسية....................................................
بعد أن تحدثنا في المقالة السابقة عن احتمال دخول الشطرنج مرحلة حضارية جديدة، يبرز سؤال مهم:
ما هي الأبعاد الأخرى للشطرنج التي تجعل منه أكثر من مجرد لعبة تنافسية؟
في الواقع، يدرك كثير من المهتمين بالشطرنج وبعض العاملين في مجالاته المختلفة أن لهذا النشاط أبعادًا تتجاوز الفوز والخسارة فوق الرقعة.
ولهذا نرى الشطرنج حاضرًا في مجالات متعددة؛ في المؤسسات الاقتصادية، وفي الشركات، وفي الجامعات والمعاهد، وفي المراكز الثقافية، بل وحتى في بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية.
وليس حضور الشطرنج في هذه الفضاءات من قبيل الصدفة، وإنما لأن كثيرًا من هذه المؤسسات تدرك أن الشطرنج يرتبط بمهارات يحتاجها الإنسان في حياته اليومية وفي عمله المهني، مثل:
- التفكير المنظم
- تحليل المواقف
- اتخاذ القرار
- التخطيط المسبق
- إدارة المخاطر
- الانضباط الذاتي
- تحمل المسؤولية
غير أن الملاحظة المهمة هنا هي أن الشطرنج، في أغلب هذه الحالات، ما يزال يُقدَّم في صورته الرياضية التنافسية التقليدية.
وهنا يطرح سؤال جديد نفسه:
هل يكفي أن يمارس الفرد الشطرنج في إطار تنافسي حتى تتحقق تلقائيًا هذه الأبعاد الفكرية والتربوية؟
التجربة العملية تشير إلى أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.
فكما أن تعلم القراءة لا يجعل الإنسان مفكرًا بالضرورة، فإن ممارسة الشطرنج التنافسي وحدها لا تضمن تحقيق الأهداف التربوية والفكرية المرجوة.
إن الوصول إلى هذه الأبعاد يحتاج إلى رؤية تربوية واضحة، وإلى منهج مقصود، وإلى برامج تعليمية تجعل من الشطرنج وسيلة لبناء الإنسان، لا مجرد وسيلة للفوز في المنافسات.
فالعامل في مصنعه يحتاج إلى التفكير السليم.
والطالب في جامعته يحتاج إلى حسن اتخاذ القرار.
والمسؤول في موقعه يحتاج إلى التخطيط والتقدير.
ورجل الأمن يحتاج إلى قراءة المواقف والتعامل مع الاحتمالات.
وهذه كلها مجالات يمكن للشطرنج أن يساهم فيها إذا أُحسن توظيفه تربويًا.
ومن هنا يأتي الحديث عن "الشطرنج الحضاري".
الشطرنج الحضاري لا ينظر إلى الرقعة باعتبارها غاية، بل باعتبارها وسيلة.
ولا ينظر إلى البطولة باعتبارها النهاية، بل باعتبارها أحد المسارات الممكنة.
إنه ينظر إلى الشطرنج بوصفه أداة ثقافية وفكرية وتربوية واجتماعية يمكن أن تسهم في بناء الفرد والمجتمع.
ولهذا فإن ما نسعى إليه من خلال هذه السلسلة ليس تطوير المنافسة الشطرنجية فحسب، وإنما الانتقال بالشطرنج إلى فضاء أوسع، فضاء يجعله مادة تربوية متكاملة، تعمل جنبًا إلى جنب مع بقية المواد التربوية داخل المؤسسات التعليمية.
وعندما يصبح الشطرنج جزءًا من مشروع تربوي متكامل، فإن السؤال لن يكون:
كم بطلًا صنعنا؟
بل سيكون:
كم مفكرًا صنعنا؟
وكم متعلمًا أصبح أكثر قدرة على الفهم والتخطيط وتحمل المسؤولية؟
هناك تبدأ القيمة الحقيقية للشطرنج...
وهناك تبدأ المرحلة القادمة.
يتبع...
عمار صخر
باحث ومكون دولي في الشطرنج
جنوب الجزائر