10/02/2025
تأملات في اعتصام الأمس
شهدت مدينة طرطوس يوم أمس تجمعاً لحوالي 70 شخصاً استجابوا لدعوات من الحركة المدنية الديمقراطية وتجمع سوريا الديمقراطي وجمعية سنديان والحزب الدستوري السوري، وهي تجمعات لم يسمع أهل البلد بمعظمها من قبل، وافتقدناها في كل مسيرات البلد التي انطلقت فرحاً بالنصر والتحرير ومطالبة برفع العقوبات، رغم كونها في مصلحة الجميع.
وكنا نأمل أن نرى أعلام سورية الحرة خفاقةً في هذا الاعتصام الذي شاركت فيه شخصيات ثورية معارضة نكنُّ لها كل الاحترام، إلى جانب شخصيات أخرى عُرف عنها التشبيح القولي فيما مضى.
بدايةً، الاعتصام لم يحصل على أي ترخيص رسمي، ورغم إيماننا بأن التعبير عن الرأي حقٌ مشروع، إلا أن التظاهر ليس نزهة تقوم بها متى يحلو لك، حاملاً معك مطالباً قد تستفز شريحة كبيرة من الناس في مناطقهم، وتتوقع منهم أن يستقبلوك بالورود والرياحين. وعليه فالحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة أمرٌ مطلوب لضمان سلامة المشاركين، وعدم تعطيل الحركة في المناطق الحيوية بالبلد.
والمثير للدهشة هنا أن الصحفي المغوار الذي حرض على التظاهر منذ أيام، كان أول الهاربين، تاركاً وراءه من استجابوا له وحيدين في الميدان.
اشتمل بيان الاعتصام على عدد من المطالب من بينها قضية "التسريح التعسفي" التي ما زالت قيد الدراسة، ولا يخفى على عاقل حجم الترهل الذي يعاني منه قطاعنا الحكومي نتيجة للفساد والمحسوبيات، ولكن من اعتاد نقد الحكومة الجديدة، لم يرَ أية إيجابيات، كالقرار الذي اتخذته مديرية التربية بخصوص تنقلات المعلمين، وهو قرارٌ كان بمثابة الحلم أيام النظام البائد.
أما عن انتهاك مواقعنا الأثرية التي اشتهر رموز نظام الأسد وأعوانه بسرقتها وتهريبها، فكان الأولى تقديم بلاغات رسمية للجهات المختصة، فساحات التظاهر ليست المكان المناسب لحلها.
وأما السبب الرئيسي للاحتقان فكان موضوع الفصل بين الجنسين في المدارس، وهو أمرٌ لم يصدر فيه قرارٌ رسمي إلى الآن، فلمَ التظاهر إذن؟ وقد استفز هذا المطلب عشرات الشباب الذين حضروا للمنطقة للرد عليه، خاصةً وأن النظام البائد فرض على طرطوس ومنذ عشرات السنين الاختلاط في كل مدارسها، دون توفير أية "حرية" أو خيارات بديلة للأهالي الرافضين له.
وفي هذه الأجواء المشحونة، تعالت الأصوات كلٌّ بمطالبه وشعاراته، وتخلل ذلك بعض الملاسنات، حيث اتهم بعض المعتصمين الشباب بأنهم إرهابيون، مما استفزهم وتطور الأمر إلى عراك بالأيدي، نرفضه جملة وتفصيلاً، مما أدى لاحقاً إلى تفرق المعتصمين.
وكالعادة سارعت بعض صفحات الفتنة إلى تضخيم الحدث وتصويره بشكل انتقائي، متجاهلة السياق الكامل. كما تطاولت على شخصيات مثل الأستاذ هشام طيارة المعروف بدوره الفاعل في ترسيخ السلم الأهلي، واستهدفته بحملة تشويه مغرضة.
نختم بدعوة صادقة لجميع أبناء طرطوس لضبط النفس والترفع عن الفتن، حفاظاً على نسيجنا الاجتماعي. فمهما اختلفت آراؤنا، تبقى سوريا وطناً يتسع للجميع، نسأل الله أن يحفظها ويلهم أهلها الحكمة وأدب الحوار.