18/08/2026
من إرث هشام الدميعي إلى تجربة يوسف سفري: لا تحاكموا الجديد بإرث خاص
فهشام الدميعي إرثٌ خاص.. ويوسف السفري تجربةٌ جديدة
فإنصافا لكل مدرب جاء بعد تجربة هشام الدميعي مع الكوكب المراكشي المقارنة ستكون ظالمة وغير منصفة
السياق والتاريخ والإرث كله في صالح هشام الدميعي، فيقبل من هشام ما لا يقبل من غيره، وأخطاءه وتعثراته تستر بغطاء العفو والسماح وتجديد الثقة التلقائي برصيد غير محدود من الجمهور الكوكبي
لن يحقق أي مدرب ما حققه هشام الدميعي مع الكوكب المراكشي، على الأقل في التجارب الثلاث التي خاضها مع الفريق، وذلك لعدة عوامل تجعل تجربته مختلفة عن غيره والسياق أكبر عونا له على غيره من المدربين مهما كانت مكانتهم وكفاءتهم
هشام الدميعي ابن الفريق وأحد أساطيره، وما وصل إليه كان بفضل الله، ثم والديه، ثم الكوكب المراكشي، وهو أول من يعترف بهذا الجميل، ويحاول رده بأشكال مختلفة من الوفاء للنادي.
المدرب "هشام الدميعي" لم يحقق ألقابا مع الكوكب المراكشي كمدرب لكنه في تجاربه الثالث قدم أكثر من الألقاب وهو تلبية النداء في ظرف صعبا يحتاجه فيه الفريق إما للصعود من القسم الثاني للقسم الأول الاحترافي التجربة الأولى، التجربة الثانية انقاد الفريق من النزول للهواة، والتجربة الثالثة الخروج من قاع الترتيب وسلسلة هزائم إلى المرتبة التاسعة وضمان البقاء بعد سبع سنوات من الغياب عن البطولة المغربية الاحترافية وأجوائها.
ومبالغة في تصوير قيمة هشام الدميعي عند الكواكبة كمدرب أقول :"لو أن هشام أخذ أحد عشر رجلا من جمهور الكوكب المراكشي لكان قادراً على تحقيق شيء ما للكوكب المراكشي" جدلا؛ لأنه لا يملك التجربة فقط، بل ويملك معها معرفة عميقة بتفاصيل النادي، وشخصيته، وبيئته، وجمهوره، ومطبات العمل داخلها والتي لا تظهر بالضرورة لمن يأتي من خارج النادي
أما غيره، فمهما كان تكوينه قوياً، وتاريخه التدريبي حافلاً، وشخصيته قوية وأسلوبه محترف، فلن يكون من السهل عليه أن يفعل ما فعله هشام الدميعي مع الكوكب المراكشي ولن تصبر عليه الجماهير المراكشية كما تصبر على هشام الدميعي .
ليس بالضرورة بسبب نقص في كفاءته، وإنما لأن هشام يمتلك شيئاً لا يُكتسب في قاعة المحاضرات ولا في الدورات التدريبية، يملك معرفة عميقة بالنادي من الداخل.
وهذه القناعة لم تُبنَ على انطباع عابر، وإنما على معرفة دقيقة بشخصية هشام الدميعي لاعباً للكوكب المراكشي، ومتابعة لمساره كلاعب مع الفريق إلى غاية اعتزاله، ثم متابعة دقيقة لمساره المهني مدرباً، باعتباره واحداً من المدربين الملهمين لي في دراسة كرة القدم ومهنة التدريب وتطوير أدواتهما.
لهذا وغيره فإن كل مدرب يأتي بعد "هشام الدميعي" إلى الكوكب المراكشي، تُنصب له منذ البداية مشانق المقارنة معه، ويدخل هذه المقارنة وهو في وضع غير متكافئ منذ البداية، قبل أن تتاح له فرصة بناء تجربته الخاصة.
وهذا بالضبط ما يتعرض له مدرب فريق الكوكب المراكشي الجديد "يوسف سفري" هذه الأيام فمنذ الإعلان عن التعاقد معه مدرباً للكوكب المراكشي، ارتفعت حدة المقارنات، ورافقتها أشكال مختلفة من النقد والسخرية والاستخفاف والتقليل من الكفاءة، وهي مقارنات ازدادت حدتها بعد المباراة الودية أمام البورسعيدي المصري، التي انتهت بهزيمة الكوكب المراكشي بثلاثة أهداف.
يوسف سفري رفض التصريح لوسائل الإعلام قبل انتهاء معسكر طنجة، التزاماً بما تم الاتفاق عليه مع إدارة النادي، لتكون الصورة واضحة عنده وتكتمل لديه الرؤية عن اللاعبين القدامى والانتدابات الجديدة والخصاص الضروري تغطيه.
المشكلة ليست في انتقاد المدرب، فالانتقاد حق مشروع، ولا في تقييم النتائج والأداء، فهذا جزء طبيعي من كرة القدم المشكلة تبدأ عندما تتم محاكمة مدرب جديد منذ أيامه الأولى بمقياس مدرب ترك وراءه تجربة استثنائية، وامتلك علاقة بالنادي لا يمكن لوافد جديد أن يمتلكها بمجرد توقيع العقد.
من أبرز الأوصاف التي وُصف بها المدرب المحترم "يوسف سفري" أنه سطاجير( بما معنى مدرب متدرب) وأن الكوكب المراكشي تحتاج إلى مدرب متعلم وذي خبرة، وليس مدربًا جاء ليتعلم التدريب بالفريق، وغيرها من التعليقات والأوصاف التي تُصنَّف في خانة التنقيص من الكفاءة المهنية للمدرب، بدل مناقشة تجربته ومؤهلاته وأفكاره الفنية ونتائجه بموضوعية، وبناء ذلك على الأدلة والبيانات والأرقام والمعطيات المهنية كان العكس.
في كرة القدم الحديثة، أصبح تكوين المدربين مسارًا مهنيًا متدرجًا، لا يمكن اختزاله في عدد الألقاب أو شهرة الاسم لذلك، فإن وصف مدرب بـالسطاجير لمجرد التقليل من قيمته يحتاج إلى مراجعة دقيقة للمعطيات المهنية، لا إلى الانطباعات الجماهيرية مبنية على العاطفة او الحكم القبلي أو خلفيات المدرب في مرحلته المهنية كلاعب.
هذا النوع من الأحكام يستحق التوقف، ليس للدفاع عن يوسف سفري كشخص، وإنما لوضع النقاش في إطاره المهني الصحيح فهل تسمح المعطيات فعلًا بوصفه «مدربًا متدربًا»؟
إذا كانت لدينا سيرة "يوسف سفري" تضم ثلاث سنوات من العمل كمساعد مدرب، وثلاثة مواسم كمدرب أول في نادي قطر القطري، إلى جانب الحصول على UEFA Pro Licence، ودورات التكوينية المستمرة ومعايشات بالأندية الأوربية، فإن الإجابة الموضوعية تبدو واضحة: نحن أمام مدرب محترف له تجربة فعلية في التدريب، وليس شخصًا دخل المهنة ليتعلم أساسياتها.
كون المدرب يواصل التعلم والتطور لا ينتقص منه، بل هو جزء أصيل من مهنة التدريب الحديثة.
أما "السطاجير" بالمعنى الذي تستعمله بعض الجماهير للسخرية والتقليل من كفاءة الرجل، فيوحي بأنه لا يزال في مرحلة اكتساب أساسيات المهنة ولم يتحمل مسؤولية تدريب فريق أول، وتحمل مسؤولية القيادة الفنية بصورة مستقلة.
وهذه الصورة لا تنطبق على مدرب سبق له أن عمل مساعدًا، ثم تولى مسؤولية فريق أول لعدة مواسم، وأدار مباريات واتخذ قرارات فنية وتحمل مسؤولية النتائج كلها في وسط احترافي
يمكن بالتأكيد الاختلاف مع يوسف سفري وانتقاد اختياراته ونتائجه وأسلوبه التكتيكي وهذا حق مشروع للجمهور.
لكن النقد المهني شيء، وإلغاء المسار المهني للمدرب بكلمة ساخرة شيء آخر
لذلك، إذا أردنا تقييم يوسف سفري بموضوعية، فعلينا أن نناقش خبرته، تكوينه، أفكاره، قراراته، تطويره للاعبين ونتائجه، مستندين إلى الأدلة والبيانات والمعطيات المهنية وحتى الآن لا توجد عينة تنافسية كافية للحكم على تجربته مع الكوكب المراكشي، ولا أملك إلا أن أتساءل: كم من هؤلاء الذين يصدرون أحكامًا قاطعة شاهدوا فعلًا مباراة كاملة ليوسف سفري كمدرب رئيسي، ودرسوا عمله الفني قبل الحكم عليه؟
أما اختزال كفاءة الرجل وخبرته كلاعب دولي ومدرب مساعد ومدرب رئيسي في كلمة "سطاجير" فليس تقييمًا فنيًا، بل حكم انطباعي لا تصمد أمامه المعطيات المهنية.
من خلال تجربتي معه كمدرب متدرب في مرحلة معايشة تدريبية بنادي قطر القطري من أجل الحصول على الرخصة التدريبية الخاصة بدبلوم بB بموسم 2022/2023 ، ومن خلال حضور أكثر من 30 مباراة رسمية وودية، ومعايشة لأكثر من 80 حصة تدريبية عن قرب ومن مسافة الصفر، وأكثر من 180 ساعة تدريبية متابع لتفاصيلها تحت إشراف "يوسف سفري" مع عدة جلسات تغدية راجعة ومناقشات وحوارات وتكليفات وكتب للدراسة وتحليل منافسين وعروض الكرات الثابتة ودورات تدريبية حضرها سواء بقطر أو انجلترا وغيرها من الأحداث التي كنت شاهد فيه والتي تدل على أننا مع مدرب محترف بفلسفة واضحة وأسلوب حديث وقوة شخصية ووضوح رؤية مع قدرة على التعامل مع جميع المواقف التي يتعرض المدرب المحترف مع فريقه في دوري محترف.
"يوسف سفري" كباقي المدربين، هو مدرب ليس فوق النقد، وقد ينجح أو يفشل، وقد تكون له نقاط قوة وضعف؛ لكنه وفق مساره المهني وتكوينه وتجربته وما كنت شاهدا عليه طيلة موسم كامل وزيادة، ليس مدربًا متدربًا،
بل مدرب محترف ذو خبرة، ما زال يواصل تطوير مسيرته وبناء تجربته
واليوم، تمنحه الكوكب المراكشي فرصة لبناء تجربته الخاصة، بعيدًا عن المقارنة المبكرة مع ما يكنه للنادي وجمهوره ومدربه السابق هشام الدميعي من حب واحترام وتقدير.
وسأخصص مقالًا لاحقًا للحديث عن تجربتي المباشرة في معايشة يوسف سفري ومتابعة عمله التدريبي عن قرب، وما عاينته من منهجيته وفلسفته في العمل، إلى جانب مواقفه التي تعكس تقديره للكوكب المراكشي وتاريخه.
بالتوفيق
و
والكوكب المؤسسة أولا وأخيرا