29/01/2026
لسنا شعبًا يصرخ لأن كرة لم تدخل المرمى، ولسنا جمهورًا ينهار لأن لقبًا ضاع. الهزيمة الرياضية واردة، لكن الذي لا يمكن قبوله هو ضياع الحقيقة. الذي لا يمكن قبوله هو أن يُطلب منا التصفيق بينما الأسئلة معلّقة، وأن نبتلع الغضب باسم الدبلوماسية، وأن نُغلق الملف بينما رائحة الخلل ما زالت في الهواء.
لن نقبل أن يُطوى هذا النهائي كأنه مباراة عابرة. لن نقبل أن يضيع اللقب وسط الجدل والقرارات والعقوبات ثم يُطلب منا الصمت. لأن ما حدث أكبر من تسعين دقيقة — إنه مسألة كرامة تمثيل، ووزن بلد، وثقة شعب.
المغرب لم يكن مشاركًا فقط — كان منظمًا، داعمًا، مستثمرًا، وصاحب فضل في تحديث صورة الكرة الإفريقية. فتح ملاعبه، وسخّر إمكانياته، وضخ من موارده، وقدّم نموذجًا تنظيميًا تشهد به القارة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بمرارة: ماذا جنى المغرب مقابل كل هذا؟ لقب ضائع بطريقة مستفزة، وعقوبات لاحقة، وغموض رسمي.
في سنة 2015، طلب المغرب تأجيل البطولة لأسباب صحية، فجاءه القرار قاسيًا بسحب التنظيم والعقوبات. لم يقتصر الضرر على الحدث ذاته، بل ترك أثرًا طويل المدى على ثقة الدولة والكرة المغربية في أجهزة الاتحاد الإفريقي. وعندما ننظر إلى أنديتنا الوطنية خارج حدود الوطن، نجد نفس الصورة: أمثلة كثيرة على الظلم والتحكيم المجحف. خير مثال ما حدث لنادينا الكبير الوداد الرياضي في تونس، حين وقعت فضيحة تحكيمية هزت عرش كرة القدم أمام أعين هذا الجهاز، ومع ذلك طوى المغرب الملف بعد الواقعة. هذا يعكس نمطًا مؤسفًا متكررًا: المغرب يعطي، يستضيف، يشارك، ثم يُترك وحيدًا أمام الأخطاء والقرارات الجائرة، دون متابعة جدية أو دفاع مؤسسي فعال.
لسنا هنا لنعلن نظرية مؤامرة جاهزة، لكننا نرفض أيضًا سذاجة الإنكار. عندما تتكرر الصدمات، يصبح الشك حقًا فكريًا. وعندما يغيب الشرح، يتمدد التأويل.
أين كانت قوة التمثيل المغربي داخل أجهزة القرار؟
كيف دُبّر الملف التأديبي؟
هل تم الاعتراض؟ هل تم الاستئناف؟
هل كانت هناك ضغوط؟
هل كان هناك استسلام إداري؟
ما الذي قيل خلف الأبواب المغلقة؟
وماذا دافعنا به عن أنفسنا؟
هذه الأسئلة ليست تطاولًا — هذه مساءلة مواطن.
كفى استخفافًا بعقل المغاربة. من حق هذا الشعب أن يسمع رواية كاملة، موثقة، قانونية، لا ملخصات ناعمة. الدولة وفرت كل الظروف — فنيًا، تنظيميًا، ماليًا، لوجستيًا — ثم في النهاية لا لقب ولا تفسير مقنع. المسؤولية هنا لا تُدفن تحت عناوين عامة.
السيد رئيس الجامعة مطالب اليوم بالخروج بوضوح كامل. بشرح مفصل. بوثائق إن لزم الأمر. لأن القيادة ليست صور استقبال وتتويج — القيادة موقف حين تضطرب العدالة.
وإذا ثبت أن هناك تقصيرًا في الدفاع عن حظوظ المنتخب أو في حماية الموقف المغربي، فإن المحاسبة تصبح واجبًا، والاستقالة تصبح شرفًا لا هزيمة. فالمناصب وُجدت لتحمل المسؤولية، لا لامتصاص الغضب.
كما أن على الإعلام الحر أن يدخل على الخط — لا كناقل بيانات — بل كباحث حقيقة. نريد تحقيقًا، تحليلًا، تتبعًا لخيوط ما جرى. من تكلم؟ من سكت؟ من ضغط؟ من قرر؟ من اعترض؟ لأن الصحافة ليست ديكورًا رياضيًا، بل سلطة مساءلة.
ويجب أن نملك الشجاعة لطرح سؤال أكبر: ما جدوى الاستمرار في استضافة تظاهرات تابعة لجهاز، في نظر شريحة واسعة من المغاربة، لا يضمن توازن التقدير ولا عدالة الانضباط؟ الاستضافة ليست فرضًا، والتعاون ليس خضوعًا، والمنصات ليست هبات مجانية.
الاحترام القاري لا يُشترى بالملاعب — يُفرض بالموقف.
والتوازن لا يُمنح — يُنتزع بالحضور والقوة.
والكرامة الرياضية ليست تفصيلًا إداريًا — بل خط أحمر.
لن نصمت.
لن نُخمّد الأسئلة.
ولن نسمح أن تُدفن الحقيقة تحت بساط المجاملات.
فالحكمة تبدأ عندما ندرك أن الحياد لا يُفترض… بل يُختبر.