22/05/2026
لكل قصة نقطة تحول تفضح المستور، وفي حكاية معاناتنا مع الغلاء، هناك خيوط خفية تربط بين ما نأكله في بيوتنا وبين ما يجري خلف الأبواب المغلقة للسياسة والمال.
إذا أردنا فك شفرة هذا التغول الذي نعيشه اليوم، علينا أن نعود بذاكرتنا إلى عام 2018، حين صدم المجلس الأعلى للحسابات المغاربة بتقرير أسود زلزل الثقة في كل ما يوضع على موائدنا المغربية..
القضاة آنذاك لم يطلقوا كلاما مرسلا، بل تحدثوا بلغة المختبرات والتجارب العلمية الصادمة..
جزء ضخم مما يأكله المغاربة من لحوم وخضر وفواكه هو عبارة عن سموم وفضلات غير صالحة للاستهلاك الآدمي.. المفارقة التاريخية، هي أن الفضيحة لم تتبعها محاسبة زاجرة أو محاكمات أخلاقية تقلب الطاولة على المتورطين، بل انتهى المشهد بإبعاد رئيس المجلس من منصبه. وهو نفس السيناريو المكرر الذي عشناه لاحقاً مع رئيس مجلس المنافسة السابق، الذي رُفع عنه الغطاء فور تجرئه على نبش عش الدبابير في ملف المحروقات، والاقتراب من الشركات المهيمنة وعلى رأسها شركة رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش.
هكذا ترسخت في البلاد قاعدة مقلوبة ومعكوسة: من يشتم رائحة الفساد ويحاول كشفها يُنفى خارج المشهد، ومن يصنع العفن ويقتات عليه يُكافأ بالترقي والنفوذ وسلطة القرار.
هذا المنطق المقلوب هو المفتاح الحقيقي لفهم خلفيات قرار عدم إقامة شعيرة عيد الأضحى في السنة الماضية. المسألة لم تكن مجرد خطوة تقنية جافة لحماية ما تبقى من الماشية، بل كانت الدولة على علم تام بأن الأسطوانة المشروخة حول "نقص القطيع" لم تكن سوى مبرر مصطنع، غايته التمهيد لعملية افتراس ونهب وحشي جرى التخطيط لها في الغرف المظلمة.. لو أقيم العيد العام الماضي لشهدنا مجزرة مالية جماعية مكتملة الأركان كما يحدث الآن في الأسواق المغربية، ولعلّق "الفراقشية" والوسطاء رقاب المغاربة على أبواب الأسواق مستغلين عاطفتهم الدينية وشماعة الندرة. لذلك، فإن هذا التدخل الحاسم لم يقف عند حدود حماية الثروة الحيوانية، بل كان بمثابة طوق نجاة أنقذ ملايين الأسر المغربية من مقصلة مالية محققة..
لكن، وبكثير من الواقعية، لا يجب أن نبيع الوهم لأنفسنا.. فالقرار الذي صدر العام الماضي نجح في فرملة الذبــح الرمزي لجيوب البسطاء وتأجيل النكبة، لكنه لم يقتلع المنظومة الاحتكارية من جذورها. شبكات المصالح واللوبيات التي كانت تستعد لامتصاص دماء المواطنين في تلك المحطة، هي نفسها التي تدير اليوم دفة الغلاء وتتحكم في أسعار المازوط، واللحوم، والأدوية، وقوت اليوم. المواجهة الحقيقية لا تنتهي بمسكنات ظرفية أو حلول مؤقتة، بل بإنهاء هذا التغول الصارخ وزواج السلطة بالمال، حتى لا يظل عيش المغاربة رهينة في يد فئة تقتات على تفقير الوطن وسحق كرامة أبنائه.
#المغرب