16/08/2026
#متى ، ولا أقول هل ، إلى حكم سورية ...
هذا المقال يعكس قناعتي المستمدة من فهمي العميق للتاريخ ، وبالتالي فإنني أضع على مقدمته لافتة تقول : هذا المقال ممنوع قراءته من جانب السوقة والدهماء وشذاذ الآفاق ، وكذلك المصابين بأمراض القلب والضغط
وأمراض العيون .
التاريخ ليس طريق إتجاه واحد ..من يرحل لا يعود ، ومن يذهب لا يرجع . بل هو طريق دائري ، وحركته ليست خطا مستقيما ، وإنما هو يمضي بشكل دائري . وبوابة التاريخ دوارة ..
من رأى في الفوضى تكتيكا لحالة إستعمارية ، لم يجب ، بل ولم يشأ أن يطرح على نفسه السؤال المهم : وماذا بعد الفوضى ؟
فالفوضى مرض معدي ، سريع الإنتشار ، ومن قال يوما : إبتداء من سورية سيتغير العالم ، لم يخطئ .
أن تحب السيد بشار الأسد أو تكرهه ، أو تتحفظ عليه ، هي كالعامل المساعد في التفاعلات الكيماوية ، لا تؤثر في النتيجة .
فكل من هرولوا وساعدوا ومولوا وعملوا بكل جهد لإسقاط سورية
كانوا ضيقي الأفق لأنهم لم يسألوا أنفسهم : وماذا بعد إسقاط سورية
بل وهذا هو الأهم ، لم يعرفوا سورية وما الذي تمثله في قوانين الحركة وإيقاعها بالنسبة لمنطقتنا بأسرها ...
التاريخ يقول أن كل الأمراض التي أصيبت بها سورية عبر التاريخ إنتشرت في كل المنطقة بسرعة إنتشار النار في الهشيم ..
فإما أن يتم القضاء على المرض في سورية ، وإما إنتشاره بصورة لن تفلح معها كل إجراءات الوقاية ، حقيقة مؤكدة . فالفوضى في سورية هي مرض عضال سيصيب الجميع وتلك حقيقة تاريخية مؤكدة وليست توقع أو أمنية .
مشكلة العالم الذين نعيش فيه
وبخاصة دوائره الإستعمارية ، وبصورة أخص الدول التي يربطها بسورية رابط دياليكتيكي أنها لا تفكر سوى في البدايات فقط .. ولا تطرح على نفسها السؤال المهم : وماذا بعد ؟ ..
لقد علم الجميع الذين باتوا ينامون بأعين مفتوحة ، وعندما أقول الجميع فأنا أعني الجميع وعلى رأس هذا الجميع ، إسرائيل وتركيا ، ومصر ، والعراق ، والأردن ، ولبنان ، والسعودية ، وكل الخليج ، وحتى إيران .. فرحيل الأسد وتفكك سورية قد جعلهم يندمون ، نعم يندمون ، وبات شغلهم الشاغل هو إبعاد الخطر على أنفسهم .. فدوامة الفوضى لن ينجوا منها أحد ..
فإسرائيل المسكونة منذ أن كانت بهواجس الأمن تستخدم حلم التوسع كفزاعة للعرب ، بينما هي في الواقع تدرك أن التوسع الجغرافي سيزيد من إحتمالات غرقها في محيط ديموجرافي عربي لن تنجوا منه ... وكم يبدو مضحكا حلم بعض الجهلاء بالتاريخ ، بأن يجدوا الأمن في أحضانها ، بينما الجائع لا يطعم جائع .. أقول أن رحيل الأسد ومعه الدولة السورية ككيان منظم
كان خطأ سيكلفها الكثير والكثير
لأنها باتت محاطة بقوى راديكالية دينية تعيش مرحلة ما قبل الدولة
وهي قوى لا أمان لها ولا عهد ..
وأن ما تحقق لها من مكاسب بحكم إذعان تلك الجماعات الإرهابية في سورية سيصبح وبالا عليها .. فروح المقاومة على هذه الأرض هي تراث حضاري متوارث . وتجربة إحتلال إسرائيل لمناطق خارج حدود فلسطين المحتلة قد إنتهت بهزائم ونكبات .... نعم كسبت إسرائيل مزيدا من الأرض بسورية ولكن ثمن ذلك كان مزيدا من القلق ، ومزيد من هواجس عدم الأمن ..
لأنها تدرك يقينا أن الجولاني لا يمتلك قوة إجتماعية حقيقية تسانده ، وإنما حفنة من الزعران وبعض التجار الفاسدين ، وتعلم أن الدروز ليسوا حكمت الهجري .. وان العلويين ليسوا حفنة الإنتهازيين الذين إلتقطتهم من أوروبا ، وأن حجم العداء لها في الشارع السوري ضخم للغاية ، وليس في سورية سادات أو مبارك ليضبط إيقاع الشارع ، ويحقق لها ولو حتى سلاما باردا
على النمط المصري ..
لقد تيقنت إسرائيل أن وجود نظام قوي حتى ولو كان كاره لها ، كنظام الأسد ، أفضل ألف مرة من الوضع الحالي ..
نفس الشئ ينطبق على تركيا التي قادتها أضغاث أحلام رجل مريض ومختل عقليا إلى أن أصبحت مقبلة على ما يتهدد كيانها المصنوع والقائم على توازنات دقيقة عبثت بها الطموحات الغبية
لأردوغان الذي لم يع أن لحركة أقدامه حدود ينبغي عدم تجاوزها
وأن ما فعله بسورية ومع سورية سيرتد على كيانه القابل للإنفجار والإنشطار مابين غمضة عين وإنتباهتها ...
نفس الشئ بنطبق على مصر والعراق بل وعلى جميع من ذكرت
وجميعها يتمنى في سره لو عاد الأسد وعادت ايامه . فقد كان يمنع عنهم الكثير مما لم يدركوه
إلا بعد رحيله ... بل أنهم سيضطرون في لحظة ليست بعيدة إلى تبني فكرة عودة الأسد لأنها المخرج المتاح لهم جميعا
أما من يسبون الأسد ليل نهار فإنهم وقريبا جدا ، سيفعلون ما فعله الشعب السوداني مع الفريق إبراهيم عبود رئيس السودان الذي أطاحوا به في ثورة إكتوبر ١٩٦٤
وحين وجدوه يسير في السوق بعد الإطاحة به ، ركضوا خلفه وهم يهتفون : ضيعناك وضعنا وراك ياعبود ...
ولنا عودة ..
بل أكثر من عودة .
#بقلم : ..